ابن قيم الجوزية
55
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك ، ومن السبب إلى المسبب . ومن الآلة إلى الفاعل . فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم ، فقل نصيبهم من « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة ، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف . فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير ، بحسب استعانتهم وتوكلهم . ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم . ولو توكل العبد على اللّه حق توكله في إزالة جبل عن مكانه ، وكان مأمورا بإزالته ، لأزاله . فإن قلت : فما معنى التوكل والاستعانة ؟ . قلت : هو حال للقلب ينشأ عن معرفته باللّه ، والإيمان بتفرده بالخلق ، والتدبير والضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وأنه ما شاء كان ، وإن لم يشأ الناس . وما لم يشأ لم يكن ، وإن شاءه الناس . فيوجب له هذا اعتمادا عليه ، وتفويضا إليه ، وطمأنينة به ، وثقة به ، ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه ، وأنه مليّ به ، ولا يكون إلا بمشيئته ، شاءه الناس أم أبوه . فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليّان بهما . فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه ، وحبس همّه على إنزال ما ينويه بهما . فهذه حال المتوكل . ومن كان هكذا مع اللّه ، فاللّه كافيه ولا بد . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : 3 ] أي كافيه . و « الحسب » الكافي . فإن كان - مع هذا - من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة ، وإن لم يكن من أهل التقوى فهو على نقيضها . القسم الرابع : وهو من شهد تفرد اللّه بالنفع والضر ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه . فتوكل عليه ، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه ، وطلبها منه ، وأنزلها به . فقضيت له ، وأسعف بها . سواء كانت أموالا أو رياسة أو جاها عند الخلق ، أو أحوالا من كشف وتأثير وقوة وتمكين ، ولكن لا عاقبة له . فإنها من جنس الملك الظاهر والأموال ، لا تستلزم الإسلام ، فضلا عن الولاية والقرب من اللّه . فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر ، والمؤمن والكافر . فمن استدل بشيء من ذلك على محبة اللّه لمن آتاه إياه ورضاه عنه ، وأنه من أوليائه المقربين . فهو من أجهل الجاهلين ، وأبعدهم عن معرفة اللّه ومعرفة دينه ، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ، ويكرهه ويسخطه . فالحال من الدنيا . فهو كالملك والمال ، إن أعان صاحبه على طاعة اللّه ومرضاته ، وتنفيذ أوامره : ألحقه بالملوك العادلين البررة ، وإلا فهو وبال على صاحبه ، ومبعد له عن اللّه ، وملحق له بالملوك الظّلمة ، والأغنياء الفجرة . التحقق ب « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » إذا عرف هذا : فلا يكون العبد متحققا ب « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » إلا بأصلين عظيمين : أحدهما : متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . والثاني : الإخلاص للمعبود . فهذا تحقيق « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » . والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام : أحدها : أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة . وهم أهل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » حقيقة . فأعمالهم كلها